محمد بن أحمد الفاسي
426
العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين
قلت : ولذلك كان الشيخ نجم الدين الأصبهاني ، يصلى مدة فوق جبل أبى قبيس « 2 » مقتديا بالإمام ، مقلدا لبعض المذاهب . وكذلك أدركت سيدنا الشيخ أبا هادي المغربي ، يصلى كذلك في جبال مكة مقتديا بإمام الجماعة ، فأنكر عليه أناس ، فكان يقول : إذا جئت إليه ، ما يقول هؤلاء المتعوبون ؟ . انتهى . وذكره اليافعي في تاريخه . وذكر له كرامات . منها : أن الفقيه الإمام علىّ بن إبراهيم البجلي اليمنى ، قال له في بعض حجاته : تركت ولدى مريضا فلعل تراه في بعض أحوالك ، وتخبرني كيف هو ؟ فزيق الشيخ في الحال ، ثم رفع رأسه ، وقال : ها هو قد تعافى ، وهو الآن يستاك على سرير ، وكتبه حوله ، ومن صفته وخلقته كذا وكذا . وما كان رآه قبل ذلك . ومنها : أنه طلع يوما في جنازة بعض الأولياء ، فلما جلس الملقن عند قبره ، ضحك الشيخ نجم الدين ، ولم يكن الضحك له عادة ، فسأله تلميذه عن ضحكه ، فزجره ، ثم أخبره بعد ، أنه سمع صاحب القبر يقول : ألا تعجبون من ميت يلقن حيّا ؟ . ومنها : أن شخصا من الأولياء يقال له الشيخ محمد البغدادي ، كان يسكن في رباط مراغة ، قال له : لما رجعت من زيارة النبي صلى اللّه عليه وسلّم إلى مكة ، فكرت في الشيخ نجم الدين وعتبت عليه في قلبي ، كونه لا يقصد المدينة الشريفة ويزور ، قال : ثم رفعت رأسي ، وإذا به في الهواء مارّا إلى جهة المدينة : ونادى ، يا محمد ، كذا وكذا ، وذكر كلاما نسيته . انتهى . وبهذه الحكاية ، يجاب عن الشيخ نجم الدين ، في عدم إظهاره القصد إلى زيارة النبي صلى اللّه عليه وسلّم ؛ لأن الشيخ عليّا الواسطي ، انتقد عليه ذلك ، كما ذكر الذهبي والصفدي . وذكره الذهبي في ذيل تاريخ الإسلام ، فقال : الإمام القدوة شيخ الحرم . قال : وصحب أبا العباس المرسى وبرع في الأصول ، ودخل في طريق الحب ، صحبة الشيخ عماد الدين الحزامي ، وكان شيخا مهيبا ، منقبضا عن الناس . جاور بضعا وعشرين سنة . ولم يزر النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، فعيب عليه ذلك ، مع جلالة قدره . وكان لجماعة فيه اعتقاد عظيم ، ثم قال : وقيل عنه أمر ما أدرى ما أقول فيه ، أعاذك اللّه وإيانا من ترهات الصوفية ، وخطرات أهل العناد ، ووسواس ذوى الخلوات ، التي تؤول بهم إلى الزندقة والشطح . انتهى .
--> ( 2 ) جبل أبى قبيس : أبو قابوس وأبو قبيس ، اسمان لجبل مكة ، ويقال : شيخ الجبال أبو قبيس ، وقيل : ثبير . انظر : الروض المعطار 452 ، معجم ما استعجم 3 / 1040 .